الاثنين، 30 يناير 2012

تعريف الليبرالية

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
تعريف الليبرالية
هي مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في السياسة والاقتصاد ، وينادي بالقبول بأفكار الغير وأفعاله ، حتى ولو كانت متعارضة مع أفكار المذهب وأفعاله ، شرط المعاملة بالمثل . والليبرالية السياسية تقوم على التعددية الإيدلوجية والتنظيمية الحزبية . والليبرالية الفكرية تقوم على حرية الاعتقاد ؛ أي حرية الإلحاد ، وحرية السلوك ؛ أي حرية الدعارة والفجور ، وعلى الرغم من مناداة الغرب بالليبرالية والديمقراطية إلا أنهم يتصرفون ضد حريات الأفراد والشعوب في علاقاتهم الدولية والفكرية . وما موقفهم من الكيان اليهودي في فلسطين ، وموقفهم من قيام دول إسلامية تحكم بالشريعة ، ومواقفهم من حقوق المسلمين إلا بعض الأدلة على كذب دعواهم .

الليبرالية نشأتها ومجالاتها
المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد :
فإن موضوع "الليبرالية" له أهمية كبيرة في الدراسات الفلسفية والواقعية من جهتين :
الأولى : الغموض الذي يحيط بالمصطلح في نفسه وعدم تصور الكثير لدلالته ومفهومه .
الثانية : تأثر كثير من أبناء المسلمين به , وكثرة الكلام حوله بعلم وبدون علم في أحيان كثيرة .
وقد كان جيل النهضة – كما يسمونه – ممن شارك في دعوة المسلمين إليه ونصحهم به, وصوَّر أن نهضة الغرب وقوة حضارته المادية كانت بسبب اعتناق هذا المذهب الفلسفي , فكثر المطبلون له من كافة أطياف المجتمع .
وما هذه المعاناة التي نعاني منها في البلاد الإسلامية مثل القوانين الوضعيَّة , والفساد الأخلاقي , وانتشار الإلحاد , وترويج مذاهب الكافرين إلا إفرازا لهذا المذهب الفاسد .
وربما تميَّز هذا المذهب عن غيره في قربه من التطبيق العملي , وكونه سيال يحمل مذاهب متعددة مع بقائه على وصفه كمذهب فكري
وبعد سقوط الشيوعية كآيديولوجية كانت تهدد الفكر الليبرالي الغربي اغتر الغربيون كثيرا بمبدأ ( الليبرالية ) وصاروا يبشرون به في كل محفل ويزعمون أنه هو خيار الإنسانية الوحيد فوظفوا طاقاتهم الفكرية والإعلامية بدعم سياسي واقتصادي رهيب لنقل هذا النور !! الى الإنسانية كلها .
ولعل أبرز نتاج فكري يدل على الغرور الكبير بهذا المبدأ عند الغربيين كتاب (نهاية التاريخ ) لمؤلفه فرانسيس فوكوياما وهو أمريكي الجنسية ياباني الأصل , وقد ظهر فيه بوضوح مدى الغرور الكبير بهذا المنهج ( الليبرالية ) حيث اعتبرها فوكوياما نهاية التاريخ الإنساني وليس الأمريكي فحسب .
ولقد أستغل الغربيون الليبراليون الإمكانيات الكبيرة المتاحة لديهم لنقل هذا المذهب إلى أقصى الدنيا وصناعة الحياة الإنسانية على أسسه ومبادئه عن طريق القوة السياسية والإقتصادية وتوظيف وسائل الإتصالات التي تمكنهم من مخاطبة كل الناس وفي كل الأرض .
ولعل من أبرز نتائج الليبرالية في مجال الإقتصاد (العولمة ) وما تحمله من مضامين فكرية وقيم أخلاقية وأنماط حضارية وهي تحمل الرغبة الغربية في السيطرة في كل اتجاه : الحربي والسياسي والقيمي والحضاري والإقتصادي .
فضلا عما تحمله من الدمار للإنسانية في معاشها الدنيوي وقد ظهرت آثار الرأسمالية في الحياة الغربية قبل مرحلة العولمة التي هي تعميم للرأسمالية على العالم كله .
مما جعل البعض يعتبر القرن الحادي والعشرين هو قرن المفكر الشيوعي (كارل ماركس ) لما يرى من تكدس الثروة بيد طبقة من الناس وانتشار الفقر والعوز في الناس و أخذ الأموال من البشر بأي طريق ، والتفنن في احتكار السلع الضرورية وتجويع البشر وإذلالهم باسم الحرية الإقتصادية .
لقد أصبح من الواضح الجلي تأثير العالم الغربي في الحياة الإنسانية في كافة المجالات , ونحن المسلمين جزء من هذا العالم الذي يتلقى التأثير من الغرب في كل وقت , بل ربما نكون نحن معنيين بهذا التأثير أكثر من غيرنا لأننا – مع ضعفننا وهواننا على الناس – أمة منافسة في قوة الدين الذي نحمله وهذا ما جعل هنتجتون في مقاله (صراع الحضارات ) ير شح المسلمين للصراع في المرحلة الحالية والقادمة كبديل للشيوعية بعد سقوطها أكثر من الجنس الأصفر ( الصين واليابان ودول شرق وجنوب آسيا ) لأن الدين الذي يحمله المسلمون فيه من عوامل البقاء والقدرة على الصراع وإمكان التفوق والصعود مرة أخرى ما يلاحظه أي مراقب في الحركة التاريخية والمسيرة الواقعية له.
والدعوة الإسلامية إذا استطاعت أن تواجه المشكلات الداخلية فيها - مثل التفرق والفوضوية و مخالفة الهدي النبوي وغيرها – فان أكبر ما يواجهها هو التيار الليبرالي في البلاد الإسلامية .
ولهذا كان من الضروري دراسة الفكر الليبرالي ومعرفة حقيقته وأبعاده لمعرفة كيفية التعامل معه وإدارة المعركة معه بنجاح , فكانت هذه الدراسة المختصرة التي تؤدي جزءا من المطلوب , وأتمنى من الأخوة القراء التواصل معي فيما يفيد في خروج البحث في صورته القادمة ولكل من أهدى لي ملاحظة أو تصحيح أو فائدة أو توثيق الشكر والدعاء بالأجر والثواب .

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه .
كتبه/ عبد الرحيم بن صمايل السلمي




المبحث الأول : مفهوم الليبرالية

من الصعوبة بمكان تحديد تعريف دقيق لليبرالية , وذلك بسبب تعدد جوانبها ,وتطورها من جيل إلى جيل .
يقول الأستاذ وضاح نصر : "تبدو بلورة تعريف واضح ودقيق لمفهوم الليبرالية أمراً صعباً وربما عديم الجدوى . وفي حال تحديد الليبرالية نجد أن هذا التحديد لا ينطبق على عدد من الفلاسفة والمفكرين الذين سيموا بسمة الليبرالية([1])

وقد قررت موسوعة لالاند الفلسفية الالتباس الحاصل في مفهوم الليبرالية ؛ فجاء فيها "نرى من خلال التعريفات السابقة مدى التباس هذا اللفظ . ومما يزيد في الالتباس استعماله الطارئ المتداول في أيامنا للدلّ على الأحزاب أو النزعات السياسيَّة" . ([2])

وفي الموسوعة العربية العالمية "وتعتبر الليبرالية مصطلحاً غامضاً لأن معناها وتأكيداتها تبدَّلت بصورة ملحوظة بمرور السنين" ([3])

وقال الدكتور يوسف القرضاوي :"وأمثال هذه المصطلحات التي تدل على مفاهيم عقائدية ليس لها مدلول واحد محدد عند الأوربيين . لهذا تفسر في بلد بما لاتفسر به في بلد آخر, وتفهم عند فيلسوف بما لاتفهم به عند غيره , وتطبق في مرحلة بما لاتطبق به في أخرى .
ومن هنا كان اختلاف التعريفات لهذه المفاهيم , وكانت الصعوبة في وضع تعريف منطقي جامع مانع يحدد مدلولها بدقة . حتى اشتقاق كلمة "ليبرالي" نفسها اختلفوا فيه :هل هي مأخوذة من (ليبرتي) التي معناها الحرية كما هو مشهور أم هي مأخوذة من أصل أسباني ؟" ([4])

ولكن لليبرالية جوهر أساسي يتفق عليه جميع الليبراليين في كافة العصور مع اختلاف توجهاتهم وكيفية تطبيقها كوسيلة من وسائل الإصلاح والإنتاج .
هذا الجوهر هو " أن الليبرالية تعتبر الحرية المبدأ والمنتهى , الباعث والهدف , الأصل والنتيجة في حياة الإنسان , وهي المنظومة الفكرية الوحيدة التي لا تطمع في شيء سوى وصف النشاط البشري الحر وشرح أوجهه والتعليق عليه" ([5])

يقول الأستاذ وضاح نصر : "وإذا كان لليبرالية من جوهر فهو التركيز على أهمية الفرد وضرورة تحرره من كل نوع من أنواع السيطرة والاستبداد , فالليبرالي يصبو على نحو خاص إلى التحرر من التسلط بنوعيه : تسلط الدولة (الاستبداد السياسي) , وتسلط الجماعة (الاستبداد الاجتماعي) , لذلك نجد الجذور التاريخيَّة لليبرالية في الحركات التي جعلت الفرد غاية بذاته , معارضة في كثير من الأحيان التقاليد والأعراف والسلطة رافضة جعل إرادة الفرد مجرد امتداد لإرادة الجماعة" ([6])
وأهم ما يميز الأدبيات الليبرالية الكلاسيكية المعاصرة هو اهتمامها المفرط بمبدأ الحرية , حيث يفترض الفكر الليبرالي أن الحرية هي الغاية الأولى والرئيسيَّة التي يتطلع لها الفرد بطبيعته.
وأنه لا يوجد إجابة مطلقة للسؤال الفلسفي المشهور : ما هي الحياة المثلى للإنسان ؟ لأن لكل فرد الحق والحرية في اختيار أسلوب الحياة الذي يناسبه .([7])
إذن : مبدأ الحرية وتحقيق الفرد لذاته تمثل نقطة انطلاق في الفكر الليبرالي بكل أطيافه , وفي كل المجالات المختلفة .
وقد ورد في موسوعة لالاند أن "هذا الاسم (الليبرالية) عينه يدل خاصة على العقائد التي تعتبر ازدياد الحرية الفردية من مثلها , والعقائد التي ترى أن الحد من دور الدولة هو بمنزلة وسيلة أساسية لهذه الحرية" ([8])
والأساس الفلسفي الذي ينطلق منه الفكر الليبرالي هو المذهب الفردي الذي يرى أن الحرية الفردية هدفاً وغاية ينبغي تحقيقها. وقد عُرِّفت الليبرالية مجموعة تعريفات بحسب المجال التي تعرَّف من خلاله. ([9])

يقول منير البعلبكي :"والليبرالية تعارض المؤسسات السياسية والدينية التي تحد من الحرية الفردية ... وتطالب بحقه في حرية التعبير وتكافؤ الفرص والثقافة الواسعة". ([10])
وفي المؤسسة العربية أن الليبرالية :"فلسفة اقتصادية وسياسية تؤكد على الحرية والمساواة وإتاحة الفرص" ([11])
وهذا التعريف ليس تعريفاً دقيقاً لمذهب فلسفي تغيَّر مفهومه مع السنين بسبب التقلبات الفكرية والسياسية والاجتماعية .
والحقيقة أن التعريف الدقيق لهذا المصطلح هو تعريفه بحسب المجال الذي يعرف من خلاله, نعرفها على النحو التالي : ليبرالية السياسة , وليبرالية الاقتصاد , وليبرالية الأخلاق ... وهكذا . وهذا ما قامت به موسوعة لالاند الفلسفيّة .
وسيأتي تعريف كل نوع على حدة في مبحث مجالات الليبرالية .

وإذا تتبعنا مراحل الليبرالية التي مرت بها نجد أنها على النحو التالي : ([12])
(1) مرحلة التكوين , والمفهوم الأساسي في هذه المرحلة هو مفهوم ذات الإنسان باعتباره الفاعل صاحب الاختيار والمبادرة .
(2) مرحلة الاكتمال , ومفهومها الأساسي هو مفهوم الفرد العاقل المالك لحياته وبدنه وذهنه وعمله , وعلى أساس هذا المفهوم شيد علم الاقتصاد العقلي المخالف للاقتصاد الإقطاعي المتفكك , وشيد علم السياسة العقلية المبني على نظرية العقد , والمخالف لسياسة الاستبداد المترهل المنخور .
(3) مرحلة الاستقلال , ومفهومها الأساسي هو مفهوم المبادرة الخلاّقة من المحافظة على الحقوق الموروثة , والاعتماد على التطور البطيء , وهو تطور من العقل الخيالي إلى الملك الواقعي .
(4) مرحلة التقوقع , ومفهومها الأساسي هو مفهوم المغايرة والاعتراض وترك مسايرة الآراء الغالبة , لأن الخلاف والاعتراض يبعد عن التقليد ويولد الإبداع .
ليس الغرض من بيان مراحل الليبرالية تاريخ تطور الفكر الليبرالي بل تحديد منظومة الأفكار المختلفة التي يتبين من خلالها خطأ إعطاء تعريف واحد لهذه الفلسفة صاحبة المفاهيم المتعددة .
ويلاحظ (رانزولي) أن هذه الكلمة تستعمل في إنكلترا خصوصاً بالمعنى الاقتصادي , بينما تكاد تستعمل دائماً في إيطاليا بالمعنى السياسي الديني . ([13])
ويحاول طوكفيل – أحد أقطاب الليبرالية في القرن التاسع عشر – أن يحدد معنى الحرية فيقول :"إن معنى الحرية الصحيح هو أن كل إنسان نفترض فيه أنه خلق عاقلاً يستطيع حسن التصرف , يملك حقاً لايقبل التفويت في أن يعيش مستقلاً عن الآخرين في كل ما يتعلق بذاته وأن ينظم كما يشاء حياته الشخصية" ([14])ونظراً لكون الحرية مفهوماً عاماً يوصل إلى التعارض والتنازع بين الحريات المتناقضة فإن هيمون يتمنى أن توضع الليبرالية في مقابل النظرية الانفلاتية , وهذا تغيير لمفهوم الحرية (الانفلات)"وعندئذ يمكن أن تكون الأولى (الليبرالية)معتبرة بوصفها النظرية الأخلاقية والسياسية التي تتوق إلى حرية الفرد أيما توق , وتحدّ في الوقت نفسه من المطالبة أو الحصول على هذه الحريات عندما تغدو إباحيات مضرة بالآخر (بمعنى إعلان الحقوق) في المقابل يمكن للنظرية الانفلاتية أن تكون صورة للفردية التي لاتعترف بأي حد مألوف وقانوني للحرية الفردية فهي وحدها الحكم على حقوق الفرد وفقاً لقوته" ([15])
ويقابل الليبرالية مجموعة من المصطلحات المناقضة لمفهوم الحرية بالمعنى الليبرالي مثل الاستبدادية ([16]) autocrtisme) (, والحكومة الأوتوقراطية هي الحكومة الفردية المطلقة المستبدة , و autocratic) ) أي حاكم استبدادي .([17])

خلاصة :
الليبرالية لها مفاهيم متعددة بحسب ما تضاف إليه , ويجمعها الاهتمام المفرط بالحرية , وتحقيق الفرد لذاته , واعتبار الحرية هدفاً وغاية في ذاتها .
فالليبرالية هي "نظرية الحرية" , وهي نظرية ذات أطياف متعددة وجوانب مختلفة , وبمقادير متفاوتة .
والحرية – كما يلا حظ الباحث المدقق – مفهوم عام يمكن أن يعني به الحرية المطلقة دون معنى محددا , وقد يريد به البعض معنا محددا معينا.
ولكن المفهوم الفلسفي لهذا المذهب الفكري هو الحرية المطلقة التي لا تحدها الحدود ولا تمنعها السدود الا ما كان فيها تجاوز لحريات الآخرين على قاعدة ( تنتهي حريتك حيث تبدأ حريات الآخرين ) .
ومن أستعمل هذا المصطلح لغير هذا المفهوم الشمولي فهو غير مصيب في استعمال المصطلح في غير مجاله وكان الأولى به البحث عن لفظ يناسب معناه غير هذا المصطلح .
وهذا يكشف مدى تردد الليبراليين العرب بين مفهوم المصطلح الفلسفي وبين انتسابهم للأسلام المناقض له من الجذور والأصول .

المبحث الثاني : الليبرالية عند جون ستوارت مل ([18])
يعتبر (ملْ) من أبرز المفكرين الغربيين الذين نظّروا للفلسفة الليبرالية من خلال كتابه (في الحرية – on librty) ([19]) – والذي أصبح المصدر الأساسي لفكر الليبراليين العرب من أمثال أحمد لطفي السيد , وطه حسين , وحسين هيكل . ([20])
أخذ (مل)موضوع الليبرالية من الجهة التطبيقية والاجتماعية ولم يناقشها من الناحية الفلسفية المجردة فيقول :"لا يتناول هذا المقال ما يسمى حرية الإرادة , وهي التي تتعارض مع ما يدعى خطأ بفلسفة الضرورة , ولكنه بحث في الحرية المدنية الاجتماعية". ([21])
وقد تحدث (مل) عن حركة الفكر وقال عن المعتقدات الدينية :"ولاأقول أن الاعتقاد بصدق العقيدة مدعاة للعصمة , بل إن ماأقوله إن ادعاء العصمة معناه إجبار الغير على قبول ما نراه في العقيدة دون أن نسمع رأيه فيها , ولا أستطيع أن أدعي العصمة حتى وإن كانت لحماية أعز معتقداتي".
ويقيد مل الحرية حتى لاتصبح انفلاتية متناقضة فيقول :"كلما تعين ضرر واقع أو محتمل, إما للفرد وإما للعموم ينزع الفعل الذي يتسبب في الضرر من حيّز الحرية ليلحق بحيّز الأخلاق أو بحيّز القانون".
ويقول :"إن ما يخص الفرد وحده هو من حقوقه , ومايخص المجتمع فهو حق للمجتمع".
ويرى مل أن الدولة لابد أن يكون لها حَدّ معين تقف عنده لينمو رصيد الحرية عند الأفراد سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو غيره وأنه بدون ذلك سيتحول الأمر إلى استبداد حتى لو كان هناك حرية في مجال معين أو انتخاب تشريعي. ([22])
يقول مل :
"إذا كانت الطرق والسكك والبنوك ودور التأمين والشركات بالمساهمة والجامعات والجمعيات الخيرية كلها تابعة لإدارة الحكومة , وإذا أصبحت – زيادة على ماسبق – البلديات والجماعات المحلية مع مايترتب عنها اليوم من مسؤوليات , أقساماً متفرعة عن الإرادة المركزية, إذا كانت الحكومة هي التي تعيّن موظفي تلك المصالح وتكافؤهم بحيث يعود أملهم في تحسين معاشهم معقوداً عليها , إذا حصل كل هذا , حينئذ تصبح الحرية اسماً بلا مسمى , رغم المحافظة على حرية الصحافة وعلى انتخاب المجلس التشريعي بالاقتراع العام".
ورغم أن الديمقراطية من إفرازات الليبرالية إلا أن (مل) ينتقد الديمقراطية لأنه يعتبرها هيمنة للأكثرية على حرية الأقلية ولو كان فرداً واحداً.
يقول ملْ:
"إن مشكلة الحرية تُطرح بإلحاح داخل الدولة الديمقراطية.. بقدر ما تزداد الحكومة ديمقراطية بقدر ما ينقص ضمان الحرية الفردية".
ويقول عن إنجلترا :"ليست هذه البلاد وطناً لحرية الفكر".
وتوضيح ذلك :
أن من مقومات الليبرالية المهمة ضرورة الاعتراض والمغايرة لينمو بذلك الفكر الحر أما إذا كانت الأمور مسلمة لا تحتمل النقد يجمد الفكر ويضمحل الابتكار.
يقول :"عندما نقبل أن تكون المبادئ مسلمات لاتحتمل النقد , وأن تكون المسائل الكبرى التي تهم البشر موضحة بدون نقاش محدد , حينذاك يضمر النشاط الفكري الذي طبع الفترات الذهبية من تاريخ الإنسان".
ويعتبر ذلك من أبرز صور الاستبداد لأن مخالفة الجمهور وحيوية النقاش وبلورة الشخصية الفردية هي أساس التطور والتقدم والتحديث , ومن لم يكن كذلك فلا تاريخ له بالمعنى الحقيقي .
يقول (مل):
"إن القسم الأكبر من الإنسانية لا يملك تاريخاً بالمعنى الحقيقي لأنه يئن تحت وطأة الاستبداد".

الدين في كتاب ستوارت ملْ ([23])
يرى ملْ أن المجتمع الديني غير ليبرالي لأنه مجتمع في نظامه للحكم فردي استبدادي , ونظامه الاجتماعي العام مؤسس ([24]) على الإجماع في الرأي وعلى تحريم النقد والنقاش المفتوح.
وهو ينتقد كل دين أو مجتمع متشدد في قوانينه الأخلاقية والدينية أي التي يضعها فوق النقاش . بما في ذلك المجتمع اليوناني في زمن نهضة العلوم , والإصلاح الديني (البروتستانت) والمجتمع الإنجليزي والأمريكي .
ويصرح ملْ بنقد الدين في اعتراضه على تحريم تجارة الخمر ,فيقول :"إن التحريم يمس حرية الفرد لأنه يفترض الفرد لا يعرف مصلحته"
وكذلك تحريم أكل لحم الخنـزير , فيقول :"إن للمسلمين الحق في تجنبهم لحم الخنـزير لأنهم يعافونه , لكنهم عندما يحتقرون غيرهم ممن لا يعافه ويأكله , فإنهم يمسون بحرية ذلك الغير".
وهو يعارض فكرة الحسبة لأنه يعتبر ذلك وضعاً للنفس في موضع الإله , يقول :"إن الناس عندما ينهون غيرهم عن المنكر يعتقدون أن الله لا يكره فقط من يعصي أوامره , بل سيعاقب أيضاً من لم ينتقم في الحال من ذلك العاصي".ومن الطريف أن ستوارت ملْ يعود إلى الاعتراف بأهمية الحسبة ويناقض نفسه لمّا طرح الأسئلة التالية : هل يجوز السماح ببيع السم أو التبغ أو الخمر ؟ هل يسمح للمرء أن يبيع نفسه لغيره ؟ هل يجب إجبار المرء على التعلم ؟ هل يجب تحديد النسل ؟ ولنقارن الآن بين قول ملْ الآتي وبين إنكاره مفهوم الحسبة بأنه اتهام للإنسان أنه لا يعرف مصلحته يقول :"في كل قضية من القضايا السابقة إن عدم تدخل الدولة قد يؤدي إلى أن يضر المرء نفسه بنفسه : أن يبقى جاهلاً أو أن يبذر ماله أو أن يسمم أقرباءه أو أن يبيع نفسه , ولكن إذا تدخلت الدولة ومنعت بعض الأنشطة , فسيكون المنع بالنسبة للرجل العاقل تجنياً على حقه في التصرف الحر".

ويقول :" إذا كانت الدولة مسؤولة على تغذية الفقراء فلها الحق أن تحد النسل , أما إذا تركت الناس ينجبون كما شاؤوا فليس عليها أن تعيل الفقراء" ([25])
وهنا يناقض ملْ نفسه في عدة قضايا :
- في تدخل الدولة للمصلحة لأنه ليس كل إنسان يعرف مصلحة نفسه .
- في إبطال قاعدة أن الإنسان يعرف مصلحته ولا يحتاج إلى وصاية .
- في إنكار مبدأ الحسبة وتقييد الحريات المطلقة.


المبحث الثالث : نشأة الليبرالية وتطورها

نشأة الليبرالية وجذورها
نشأت الليبرالية في التغيرات الاجتماعية التي عصفت بأوربا منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، وطبيعة التغير الاجتماعي والفكري يأتي بشكل متدرج بطيء.
وهي لم " تتبلور كنظرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع على يد مفكر واحد، بل أسهم عدة مفكرين في إعطائها شكلها الأساسي وطابعها المميز.
فالليبرالية ليست اللوكية ( نسبة إلى جون لوك 1632 – 1704 )، أو الروسووية ( نسبة إلى جان جاك روسو 1712-1778 ) أو الملّية ( نسبة إلى جون ستوارت ملْ 1806-1873 )، وإن كان كل واحد من هؤلاء أسهم إسهاماً بارزاً أو فعالاً في إعطائها كثيراً من ملامحها وخصائصها"([26])

وقد حاول البعض تحديد بداية لبعض مجالاتها ففي موسوعة لا لاند الفلسفية "الليبرالي ( أول استعمال للفظة ) هو الحزب الأسباني الذي أراد نحو 1810م أن يدخل في أسبانيا من الطراز الإنكليزي.)([27])
ويذكر الأستاذ وضاح نصر: " أن الليبرالية في الفكر السياسي الغربي الحديث نشأت وتطورت في القرن السابع عشر، وذلك على الرغم من أن لفظتي ليبرالي وليبرالية لم تكونا متداولتين قبل القرن التاسع عشر.([28])
قال منير البعلبكي :" الليبرالية(liberalism)فلسفة سياسية ظهرت في أوربا في أوائل القرن التاسع، ثم اتخذت منذ ذلك الحين أشكالاً مختلفة في أزمنة وأماكن مختلفة([29])
والظاهر من تاريخ الليبرالية أنها كانت رد فعل لتسلط الكنيسة والإقطاع في العصور الوسطي بأوربا ، مما أدى إلى انتفاضة الشعوب ، وثورة الجماهير ، وبخاصة الطبقة الوسطي.والمناداة بالحرية والإخاء والمساواة، وقد ظهر ذلك في الثورة الفرنسية. وقد تبين فيما بعد أن هناك قوى شيطانية خفية حولت أهداف الثورة وغايتها([30]).
وبهذا يتضح لنا أن الليبرالية في صورتها المعاصرة نشأت مع النهضة الأوربية ثم تطورت في عصور مختلفة إلى يومنا هذا.
ويرد بعض الباحثين جذور الليبرالية إلى ديمقراطيّ أثينا في القرن الخامس قبل المسيح، والرواقين في المراحل الأولى من المسيحية، ثم حرك الإصلاح البروتستانتية([31]).
وقد ذكر البعلبكي أن في حركة الإصلا الديني توجهاً ليبرالياً فقال: " كما يطلق لفظ الليبرالية كذلك على حركة في البروتستانتية المعاصرة تؤكد على الحرية العقلية ([32]).
يقول الدكتور علي بن عبد الرزاق الزبيدي: " ومن الصعب تحديد تاريخ معين لنشأة الليبرالية فجذورها تمتد عميقة في التاريخ([33]).
ويعتبر جون لوك من أوائل الفلاسفة الليبراليين وفلسفة تتعلق بالليبرالية السياسية.

تطور الليبرالية :
أخذت الليبرالية أطواراً متعددة بحسب الزمان والمكان وتغيرت مفاهيمها في أطوارها المختلفة ، وهي تتفق في كل أطوارها على التأكيد على الحرية وإعطاء الفرد حريته وعدم التدخل فيها.
ويمكن أن نشير إلى طورين مهمين فيها:

أولاً : الليبرالية الكلاسيكية :
يعتبر جوك لوك ( 1704م ) أبرز فلاسفة الليبرالية الكلاسيكية، ونظريته تتعلق بالليبرالية السياسية، وتنطلق نظريته من فكرة العقد الاجتماعي في تصوره لوجود الدولة، وهذا في حد ذاته هدم لنظرية الحق الإلهي التي تتزعمها الكنيسة.
وقد تميز لوك عن غيره من فلاسفة العقد الاجتماعي بأن السلطة أو الحكومة مقيدة بقبول الأفراد لها ولذلك يمكن بسحب السلطة الثقة فيها([34]).
وهذه الليبرالية الإنكليزية هي التي شاعت في البلاد العربية أثناء عملية النقل الأعمى لما عند الأوربيين باسم الحضارة ومسايرة الركب في جيل النهضة كما يحلو لهم تسميته.
يقول القرضاوي : " وهي التي يمكن أن يحددها بعضهم بـ" ليبرالية ألوكز" وهي التي أوضحها جوك لوك وطورها الاقتصاديون الكلاسيكيون ، وهي ليبرالية ترتكز على مفهوم التحرر من تدخل الدولة في تصرفات الأفراد،سواء كان هذا في السلوك الشخصي للفردأم في حقوقه الطبيعية أم في نشاطه الاقتصادي آخذاً بمبدأ دعه يعمل"([35]).
وقد أبرز آدم سميث (1790م) الليبرالية الاقتصادية وهي الحرية المطلقة في المال دون تقييد أو تدخل من الدولة.
وقد تكونت الديمقراطية والرأسماليّة من خلال هذه الليبرالية، فهي روح المذهبين وأساس تكوينها، وهي مستوحاة من شعار الثورة الفرنسية " دعه يعمل " وهذه في الحرية الاقتصادية " دعه يمر " في الحرية السياسية. وسيأتي التفصيل في مجالات الليبرالية.

ثانياً : الليبرالية المعاصرة :
" تعرضت الليبرالية في القرن العشرين لتغيّر ذي دلالة في توكيداتها. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأ العديد من الليبراليين يفكرون في شروط حرية انتهاز الفرص أكثر من التفكير في شروط من هذا القيد أو ذاك. وانتهوا إلى أن دور الحكومة ضروري على الأقل من أجل توفير الشروط التي يمكن فيها للأفراد أن يحققوا قدراتهم بوصفهم بشراً.
ويحبذ الليبراليون اليوم التنظيم النشط من قبل الحكومة للاقتصاد من أجل صالح المنفعة العامة. وفي الواقع، فإنهم يؤيدون برامج الحكومة لتوفير ضمان اقتصادي، وللتخفف من معاناة الإنسان.
وهذه البرامج تتضمن : التأمين ضد البطالة ، قوانين الحد الأدنى من الأجور ، ومعاشات كبار السن ، والتأمين الصحي.
ويؤمن الليبراليون المعاصرون بإعطاء الأهمية الأولى لحرية الفرد ، غير أنهم يتمسكون بأن على الحكومة أن تزيل بشكل فعال العقبات التي تواجه التمتع بتلك الحرية.
واليوم يطلق على أولئك الذي يؤيدون الأفكار الليبرالية القديمة : المحافظون([36]).
ونلاحظ أن أبرز نقطة في التمايز بين الطورين السابقين هو في مدى تخل الدولة في تنظيم الحريات ، ففي الليبرالية الكلايسيكية لا تتدخل الدولة في الحريات بل الواجب عليها حمايتها ليحقق الفرد حريته الخاصة بالطريقة التي يريد دون وصاية عليه ، أما في الليبرالية المعاصرة فقد تغير ذلك وطلبوا تدخل الدولة لتنظيم الحريات وإزالة العقبات التي تكون سبباً في عدم التمتع بتلك الحريات.
وهذه نقطة جوهرية تؤكد لنا أن الليبرالية اختلفت من عصر إلى عصر ، ومن فيلسوف إلى آخر ، ومن بلدٍ إلى بلدٍ ، وهذا يجعل مفهومها غامضاً كما تقدم.
وقد تعرف الليبرالية تطورات أخرى في المستقبل ، ولعل أبرز ما يتوقع في الليبرالية هو التطور نحو العولمة التي هي طور ليبرالي خطير وسيأتي الإشارة إليه في المبحث الرابع.



المبحث الرابع : مجالات الليبرالية

تعددت مجالات الليبرالية بحسب النشاط الإنساني . وذلك أن الليبرالية مفهوم شمولي يتعلق بإدارة الإنسان وحريته في تحقيق هذه الإرادة فكل نشاط بشري يمكن أن تكون الليبرالية داخلة فيه من هذه الزاوية ، وبهذا الاعتبار.
" إن خصوصية الليبرالي عامة أنه يرى في الحرية أصل الإنسانية الحقّة وباعثة التاريخ. وخير دواء لكل نقص أو تعثر أو انكسار "([37])

وأبرز هذه المجالات شهرة : المجال السياسي ، والمجال الاقتصادي.
أولاً : ليبرالاية السياسة
في موسوعة لالاند الفلسفية: " الليبرالية: مذهب سياسي يرى أن من المستحسن أن تزاد إلى أبعد حد ممكن استقلالية السلطة التشريعية والسلطة القضائية بالنسبة إلى السلطة الإجرائية التنفيذية ، وأن يعطى للمواطنين أكبر قد من الضمانات في مواجهة تعسف الحكم".([38])
ويقول منير البعلبكي : " الليبرالية liberalism فلسفة سياسية ظهرت في أوربا في أوائل القرن التاسع عشر.. تعارض المؤسسات السياسية والدينية. التي تحد من الحرية الفردية ، وتنادي بأن الإنسان كائن خيّر عقلاني ، وتطالب بحقه في التعبير وتكافؤ الفرص والثقافة الواسعة([39]).
وتعتبر الديمقراطية من النظم الليبرالية التي تسعى لإعطاء الفرد حقوقه وهي نوع من التطبيق العلمي للفكر الليبرالي. يقول الدكتور حازم البيلاوي : " فنقطة البدء في الفكر الليبرالي هي ليس فقط أنها تدعو للديمقراطية بمعنى المشاركة في الحكم ، ولكن نقطة البدء هو أنه فكر فردي يرى أن المجتمع لا يعدو أن يكون مجموعة من الأفراد التي يسعى كل فرد فيها إلى تحقيق ذاته وأهدافه الخاصة([40]).
وقد أعطت الديمقراطية كنظام سياسي جملة من الحريات السياسية مثل : حرية الترشيح ، وحرية التفكير والتعبير ، وحرية الاجتماع ، وحرية الاحتجاج ، كما أعطت جملة من الضمانات المانعة من الاعتداء على الأفراد وحرياتهم مثل : ضمان الاتهام ، وضمان التحقيق ، وضما التنفيذ، وضمان الدفاع".([41])
"وقد أدّت الثورات الليبرالية إلى قيام حكومات عديدة تستند إلى دستور قائم على موافقة المحكومين.وقد وضعت مثل هذه الحكومات الدستورية العديد من لوائح الحقوق التي أعلنت حقوق الأفراد في مجالات الرأي والصحافة والاجتماع والدين.كذلك حاولت لوائح الحقوق أن توفر ضمانات ضد سوء استعمال السلطة من قبل الشرطة والمحاكم"([42]).
ومع ذلك فإن الليبرالية تطالب من الدول الديمقراطية مزيداً من الحريات تطالب بالتخفف من السلطة على الأفراد ليحصل بذلك الفرد على حريته.
ويرى سبنسر أن وظائف الدولة يجب أن تحصر في الشرطة والعدل والدفاع العسكري بمواجهة الأجنبي([43]).
ويظهر من ذلك المطالبة بغياب الدولة إلا فيما يتعلق بالحماية العامة للمجتمع ، وهذا هو رأي الليبراليين الكلاسيكيين. وقد انقرض هذا الرأي في الليبرالية المعاصرة التي جنحت إلى اعتبار الحرية الفردية هدفاً ولو بتدخل الدولة . بينما كان المذهب الأساسي عند الكلاسيكيين المطالبة بغياب الدولة مهما تكن نتائجه على الفرد([44]).
وقد اختلف الليبراليون الكلاسيكيون مع الديمقراطيين في من يملك حق التشريع العام ، فالديمقراطيون يرون أن الأكثرية هي التي تقرر وتشرع وتمسك بزمام السلطة. أما الليبراليون فقد اهتموا بحماية الفرد من الأذى، وأن هذا هو مهمة القانون بدل التشديد على حق الآخرين بسبب الأكثرية ، وهذه من نقاط التصادم بينهم"([45]).
ولكن الليبرالية اختلفت في الواقع المعاصر عمّا كانت عليه سابقاً.
ويمكن أن نطلق على التوجه الجديد ( الليبرالية الجديدة ) وبرروا ذلك بأنه نتيجة لعدم مسايرة الليبرالية التقليدية للتطور الذي شهده العالم كان ذلك هو السبب في ولادة ليبرالية جديدة تتلاءم وظروف المجتمع الجديد ، وهي ليبرالية ما بعد الحرب العالمية الثانية([46]).
والفرق بينهما فيما يتعلق بالسياسة هو :
أن دور الدولة في ظل النظرة الجديدة يجب أن يكون أكبر ، فلها مهمة أساسية هي تحديد الإطار القانوني للمؤسسات التي يدور فيها النشاط الاقتصادي ، وقد حدد منظرو الليبرالية الجديدة دور الدولة الذي يجب أن تقوم به بما يلي :-
1-أن تعمل كل جهدها ضد التضخم والانكماش.
2-أن تحد بشكل معتدل من سلطة الاحتكار وبشكل تتابعي.
3-أن تؤمم فقط الاحتكارات التي لا يمكن للقطاع الخاص.
4-أن تتحمل كافة الخدمات العامة.
5-أن تعطي الفرص والموارد بالتساوي.
6-أن تطبق التخطيط التأثيري من أجل التقليل من المخاطر التي قد تحدث.
7-أن تطبق التخطيط المركزي عندما يقتضي أن يكون هناك عمل تغير بنائي.
8-أن تتدخل عندما يكون هناك خلل في ميكانيكية السوق([47]).

ثانياً : ليبرالية الاقتصاد
الليبرالية الاقتصادية: " مذهب اقتصادي يرى أن الدولة لا ينبغي لها أن تتولى وظائف صناعية ، ولا وظائف تجارية ، وأنها لا يحقّ لها التدخل في العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الأفراد والطبقات أو الأمم. بهذا المعنى يقال غالباً ليبرالية اقتصادية"([48]).
ويلاحظ أن هذا التعريف واقع على الليبرالية الكلاسيكية قبل التحول الكبير الذي تم في الليبرالية الجديدة على نحو ما سيأتي.
ويقول البعلبكي " ويطلق لفظ الليبرالية أيضاً على سياسة اقتصادية نشأت في القرن التاسع عشر متأثرة بآراء آدم سميث بخاصة ، وأكدت على حرية التجارة وحرية المنافسة ، وعارضت تدخل الدولة في الاقتصاد"([49]).
والليبرالية الاقتصادية وثيقة الصلة بالليبرالية السياسية ، ويعتقد الليبراليون أن الحكومة التي تحكم بالحد الأدنى يكون حكمها هو الأفضل.. ويرون أن الاقتصاد ينظم نفسه بنفسه إذا ما ترك يعمل بمفرده حراً ، ويرون أن تنظيمات الحكومة ليست ضرورية([50]).
وأبرز النظم الاقتصادية الليبرالية هو نظام " الرأسمالية " التي رتّب أفكاره عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث في كتابه ( ثروة الأمم ).
ويدخل في الحرية التي يطالب بها الليبراليون حرية حركة المال والتجارة ، وحرية العمل وحرية التعاقد ، وحرية ممارسة أي مهنة أو نشاط اقتصادي آخذاً من الشعار الشهير للثورة الفرنسية " دعه يعمل دعه يمر."
والذي يحكم قواعد اللعبة الاقتصادية وقيمها هو سوق العرض والطلب دون أي تقييد حكومي أو نقابة عمالية. فللعامل الحرية في العمل أو الترك كما لصاحب رأس المال الحرية المطلقة في توظيف العدد الذي يريد بالأجرة التي يريد([51]).
ولكن سبق أن ذكرنا أن المفهوم الليبرالي تغير وبرزت الليبرالية الجديدة عل السطح بعد الحرب العالمية الثانية بسبب الأزمات الاقتصادية الخانقة والكساد وذلك لتمركز رأس المال وظهور الاحتكارات الصناعية الضخمة ، وانهيار قاعدة الصرف بالذهب وأزمة الثورات العمالية في ألمانيا مما جعل الحكومات تتدخل لإنعاش الاقتصاد فتغيرت الأيديولوجية الليبرالية إلى القول بأهمية تدخل الحكومة لتنظيم السوق([52]).
وقد فصّل صاحب كتاب " الليبرالية المتوحشة " كيفية تدخل الدولة لإنعاش الاقتصاد وإصلاح السوق ، وبهذه المرحلة تغيب شمس الليبرالية الكلاسيكية حيث أبطل الواقع فكرة إصلاح السوق لنفسه لتبرز إلى السطح الليبرالية الجديدة بقوة.
وقد أطيل النفس في مراحل الاقتصاد الليبرالي في الكتاب سابق الذكر، ونقد فكر الليبرالية الجديدة واقعياً ببيان انحدار الازدهار الاقتصادي الذي حققته الرأسمالية بعد الحرب الكونية الثانية ، فبدأت معدلات النمو الاقتصادي في التراجع وارتفعت معدلات البطالة والطاقة المعطلة ، وانخفضت معدلات نمو الإنتاجية([53]).

ولعل أبرز تطور جديد في الليبرالية المعاصرة هو " ليبرالية العولمة " ومن دلالتها الفكرية : العودة إلى الليبرالية الكلاسيكية كمفهوم ، وذلك أن من أبرز معالم العولمة : التخفيف من التدخل الحكومي في انتقال المال عبر الحدود والأسوار السياسية ، وذلك لتحقيق أعلى الأرباح ، فقد طبّقت الفلسفة الليبرالية عملياً عن طريق الشاويش السياسي الذي يحمي هذه الفكرة القديمة في الضمير الغربي.
لقد أصبح الاقتصاد وسيلة سياسية للسيطرة ، ونقل الثقافات الحضارية بين الأمم ، ولهذا فالأقوى اقتصادياً هو الأقوى سياسياًّ ولهذا اقتنعت الدول الغربية بهذه الفلسفة مع مشاهدتها لآثار الرأسمالية على الشعوب الفقيرة ، ومن خلال اللعبة الاقتصادية يمكن أن تسقط دول ، وتضعف أخرى.
وجذر العولمة الفكري هو انتفاء سيادة الدول على حدودها ومواطنيها فضلاً عن عدم سيطرتها عل النظام الاقتصادي الحر الذي كان يطالب به الليبراليون الكلاسيكيون.
يقول رئيس المصرف المركزي الألماني هناس تيتمار في فبراير من عام 1996م أمام المنتدى الاقتاصادي في دفوس " إن غالبية السياسيين لا يزالون غير مدركين أنهم قد صاروا الآن يخضعون لرقابة أسواق المال ، لا ، بل إنهم صاروا يخضعون لسيطرتها وهيمنتها"([54])وسوف يكون قادة العالم في المرحلة القادمة ( العولمة ) هم أرباب المال ، وسدنة المؤسسات الاقتصادية الكبرى.
والعولمة مبنية على نظرية اقتصادية ينصح بها عدد من الخبراء والاستشاريين الاقتصاديين. ويقدمونها دون ملل للمسئولين عن إدارة دفة السياسة الاقتصادية على أنها أفضل نهج وهي (الليبرالية الجديدة new liberalisms) وشعار هذه النظرية (ما يفرزه السوق صالح ، أما تدخل الدولة فهو طالح )([55]).
وهذا صريح في إعادة ترميم الليبرالية الكلاسيكية والارتداد إليها بعد التغير الذي حصل بعد الحرب العالمية الثانية.
دون مختار البيطار عن   مجلة الإبتسامة

ما معنى العلمانية

                                                      ما معنى العلمانية

العلمانية مصطلح لا يمكن تعريفه بجملة أو جملتين .......... فلو بحثنا سنجد مقالات كاملة لتعريف العلمانية
فلدينا " خناقات " حول فتح أو كسر العين ....... الخ .... لكن الكل يتفق على أن ( أبعاد الدين عن الدولة ) من البديهيات ....
الان سأسرد شرحا عن العلمانية ... مجموعة أفكار و نقاط للوصول الى فهم صحيح و دقيق للعلمانية ...

أولا لنقل ان العلمانية أسلوب تفكير ... بالمقام الأول .. يعتمد على الرجوع للعقل و المنطق و التفكير و ذلك في حل كافة القضايا
(( سياسية . أجتماعية ....الخ )) و هنا يجب توضيح أمر هام .... وهو ان الاعتماد على العقل أو المنطق لا يجعل من العلمانية مذهبا أو طائفة .... و من هنا سأوضح أيضا كيف يتم تشويه صورة العلمانية من قبل القوى الرجعية

فمرة يريدون للناس أن يقتنعوا أن العلمانية مذهب أو طائفة ! كسائر المذاهب و المجموعات الدينية .. و الهدف هو اسقاط سمة الفكر الحر و المنطقي عن العلمانية .... المذهب عند الاديان يعني الذهاب أو الرجوع الى كتب دينية ما أو مقدسة أي الرجوع الى أحكام ثابتة و معتقدات و ذلك للحصول على جواب لأمر ما أو حكم أو قانون
و هذا لا يحصل مع الفكر العلماني .
في أحد المواقع قرأت قصة شخص (( هو يكتبها )) كيف أنه " أعتنق " العلمانية فترة ثم رجع و " تاب "
لاحظوا أستخدام مصطلح الاعتناق !!! ليس ل " الاعتناق " أي مكان في الفكر العلماني ... أصلا العقل السليم
لا يستخدم هذا المصطلح أطلاقا فيما يخص الايديولوجيا .

و في مكان أخر يصنفون العلمانيين و يقسمونهم على المذاهب و الاديان نفسها ..... كأن يقال " علماني .......ي "
(( و يذكرون اسم دين أو مذهب ))
و كأنهم يسعون لتفريق الجبهة !! أو بالاحرى يريدون نسب المفكرين و المثقفين لأنفسهم و مذاهبهم .

أيضا من الأفلام المضحكة التي نراها ..... أن يأتي شخص متدين ما .... و يتهم مفكرا علمانيا بأنه تابع لدين أو مذهب أخر ..... و يهاجمه على أساس الدين !!!
(( عجبا كيف تجري دماء المذهبية و الطائفية في عروق بعض الناس ))

و أقول لكم ... أن من يدعي العلمانية و بنفس الوقت يؤيد هكذا أفكار ... فهو ليس من العلمانية بشيء .

العلمانية ليست ضد الايمان :

من وجهة نظر علمانية فأن الايمان هو حرية شخصية ..... فلا يمكن أجبار الناس على ترك أفكارهم ما لم يقتنعوا بذلك .. هذا مستحيل .
لكن الايمان شيء و الاديان شيء أخر .
كما يقال : " الايمان يجمع الناس .. و الاديان تفرقهم " عبارة بديهية جدا : وجود الاديان و عشرات الأقسام داخل الدين الواحد أدى لتقسيم البشرية (( ناس يؤمنون ب س )) و (( ناس يؤمنون ب ع )) ..... الخ (( لانهاية ! ))
ايمان الانسان لا يمنه من ان يكون علمانيا ... و العكس صحيح أيضا ... لكن على أن يكون ايمانه منطقيا ... ذاتي
واعي .... ناتج عن تفكير و ليس ( الوراثة و التكاثر ) و الاتباع الاعمى .
اذا العلمانية لا تدعو الى المادية أو الالحاد ..... أو الى الشيوعية ....
الهدف هو أن لا يتم الفصل بين الناس على أساس (( ما يؤمنون به )) فالفكر الديني يجبر الناس على أن يكونوا مختلفين و منقسمين ..... لأن الانسان المتدين غالبا ما يكون متوحدا مع معتقداته (+)

أيضا فأن العلمانية ليست ضد التدين بحال :

بحال كان التدين على المستوى الفردي فقط ..... العلمانية لا تحارب دين الانسان .. لأن الاعتقاد هو حرية شخصية ..... لا أجبار فيها .... فالاجبار لن يجلب الا الكراهية .
طبعا و بعد حصر الدين بالمستوى الفردي .... يفضل أن لا يكون الانسان متدينا .... لكن هذا مجرد ( تفضيل )
ثم أنه و عند القيام بحملة توعية فكرية و ثقافية في المجتمع .... مثلا في التلفاز نعرض برامج علمية أكثر من مسلسلات سخيفة ..... و برامج حوارات و مناظرات فكرية أكثر من برامج المسابقات و الجوائز
و دعايات لكتب منشورة حديثا أكثر من دعايات المحارم و العلكة ..... الخ
عندها حتما سيقوى الفكر العلماني على المستوى الفردي بسرعة كبيرة .

أهداف العلمانية :

طبعا أهداف الحركات و الاحزاب العلمانية تختلف تبعا للبلد و الحالة الاجتماعية ... و عوامل أخرى ...
لكن من المبادئ طبعا : فصل الدين عن السياسة ..... و ارجاع التدين الى الحالة الفردية ... أي الغاء المجتمعات الطائفية و المذهبية .
أيضا الغاء التمييز العنصري العرقي و القومي .... و هنا الفرق بين علمانية الاتحاد السوفييتي
(( الذي سينهض من جديد )) و بين علمانية الغرب ..... أرى أن العلمانية يجب أن تقترن بالأممية على كافة المجالات .... أي تعايش الكل مهما كانوا ... مع بعضهم ضمن كيان أممي واحد بدون أن تمييز ....
و بذلك يغدو لدينا مجتمع صلب ...... على عكس المجتمع المنقسم الذي سيظل عرضة للمشاكل ... مثلا :
كثيرا ما تقوم دول خارجية بأستمالة مجموعات عرقية أو دينية في دولة أخرى .... لتحقيق مصالحها أو الضغط
..... الخ ...... أما بحالتنا هذه فلا يوجد أقليات لأستمالتها أصلا !

العلمانية كنهاية حتمية للصراع الفكري القائم :
ها هي الأسباب ....

1 _ على صعيد " الدولة " :

من البديهي ان المجتمع الطائفي و المذهبي المنقسم ..... هو مجتمع أضعف من غيره (( من حيث التأثر بالخارج أو المشاكل الداخلية )) ...... فحتى لو أفترضنا وجود دولة دينية الاقليات فيها معدومة ..... ستبقى مشكلة التعامل مع الخارج ..... فالدول الأخرى التي لها أقليلت من نفس فئة الدولة الأولى .... سوف تتعامل بحزر معها ...
لدينا العديد من الأمثلة الحاضرة .
و طبعا فأن علاقات الدول مع بعضها تؤثر على الدول أقتصاديا و عسكريا و سياسيا ..... الخ

2 _ على الصعيد " الفكري_الثقافي " :
الدولة الدينية لن تسمح بأنتشار أفكار دينية أخرى ..... حفاظا على " حضارتها الدينية " أي نشاطاتها الفكرية ستكون محصورة في حيز ضيق ... متقوقع .... منغلق ... خوفا من معتقدات الغير ....
فيصبح لدينا قصور في الفكر و الثقافة ...... و أي تقدم للبشرية سيحصل في هذه الحالة ؟!

ملاحظة :
لا يوافق معظم الناس على أن معتقداتهم قد تكون سببا للنقص الفكري او الثقافي .
الرد : " و ما نسبة المتدينين الذين هم على أستعداد تام للأطلاع أو حتى سماع معتقدات الأخرين و أفكارهم المخالفة ؟؟ "

3 _ على الصعيد العلمي و التقني :
أيضا فأن المعتقدات الدينية الثابتة و المحرمات ... و المتبناة من قبل نظام سياسي في الدولة ... سيقوض
البحث العلمي و التطور التقني في هذا البلد .... مثلا : الاستنساخ حرام !.... أستخدام خلايا حيوانية في العلاج حرام ! .... قديما : الأرض تدور حول الشمس . شو ؟؟؟ لأ حرام !!!

ملاحظة :
لا يوافق بعض الناس ان معتقداتهم قد تشكل عائقا أمام العلم و التطور ..... فهم يقولون أن معتقداتهم تدعو الى العلم و تحث عليه .
الرد : حسب الطلب !!

4 _ متفرقات! :
مثال : كل المصانع و المحلات و المؤسسات يجب أن تتوقف عن العمل يوم الأربعاء .... لأن الأربعاء عطلة
حسب معتقداتنا .... و العمل يوم الاربعاء حرام !
" يا أخي خلي المعامل تشتغل ... أنتاج أكثر + فرص عمل أكثر " .... لأ حرام !

ملاحظة :
لا يوافق معظم الناس على هذا الكلام ....
الرد : ليش لأ ؟؟ ..... ممكن .... اليوم المحلات ما بصير تفتح .... بكرا المصانع حرام تشتغل !!!
ما بتعرفو ... ممكن يطالبو كمان بقطع الكهرباء أيام العطل ..... و ذلك لمحاكاة أسلوب حياة الأجداد الأولين !!!

لن أبالغ بأن أقول أن بقاء البشرية يعتمد على أتخاذ العلمانية منهجا لها ...... لكن حتما فأن هذا المنهج هو الأفضل و الأقوى بلا منازع ليكون أداة ووسيلة للتقدم الحضاري البشري على كافة الأصعدة .
أما المنهج الديني الثابت فلن يحرك بنا ساكنا .

الفكر العلماني في سوريا :

سوريا زاخرة بالمفكرين و المثقفين .... و هم أكثر مما يعتقد البعض .. لكن المشكلة تكمن بعدم وجود جبهة عمل
موحدة .... لا يوجد نشاطات أو ندوات (( الا ما يعد على الأصابع ))
و معظم المفكرين العلمانيين متقدمين في السن (( ختايرة يعني )) ....
و أصبح يطلق عليهم لقب " مثقفي المقاهي " لأنهم يرتادونها ليتحاورا بالسياسة و الأمور الأخرى .
أما بالنسبة للجيل الشاب .... فيا أسفاه ... حتى الواحد صار يخجل ينطق كلمة ( العلمانية ) و كأن العلمانية
أصبحت شرا مطلق !
الكتب العلمانية و الفلسفية رميت في مستودعات المكتبات و عليها 1 سم غبار .
و ما تبقى منها يباع الان 3 ب 100 على البسطات .
من فترة قرات خبرا جيدا أن هناك توجها لعمل ( يوم خاص للعلمانيين العرب ) و أحياؤه كل سنة ....
و القيام بندوات و مؤتمرات .... الخ .... أي أعادة بعث الفكر العلماني .
و هذا ما سيحصل فالعلمانية هي الحل .

العلمانية كوسيلة لردع الطائفية :

علمانية المجتمع أمر هام .... لكن يقصد هنا علمانية الدولة كنظام فقيام دولة علمانية هو الأساس
و علمانية الدولة (( علمانية حقيقية )) تعني عدم الأعتراف بوجود أنتماءات دينية أو مذهبية بين الناس ..
أي أن الدولة تنظر للأفراد على أنهم أناس .... ناس بشر .... و نقطة أنتهى .
لهم الحق بأن يؤمنوا بما يشاؤون .... لكن الدولة و الحكومة غير معنية بذلك .
و من أجل تحقيق مستوى متقدم من علمانية الدولة يكفي شطب بند " الديانة " من على الوثائق و الأوراق الرسمية و الحكومية
فلا تؤخذ بعين الأعتبار المعتقدات التي يؤمن بها الشخص لدى توظيفه في شركة حكومية مثلا ...
طبعا بالنسبة للدوائر و المناصب الحساسة في الدولة فيفضل أن يكون القائمين عليها غير متدينين وذلك للحفاظ على علمانية الدولة و المؤسسات .

بالنسبة لبلدنا سوريا فقد تم حذف " الديانة " من الهوية الشخصية و بقيت مكتوبة في مكانين : دفتر العائلة و دفتر خدمة العلم .....
طبعا يحصل المواطن على دفتر العائلة من أجل الزواج و تسجيل الأبناء .... و الطلاق .... و ذلك فقط لمراعاة المزاج الأجتماعي السائد ....
يعني يا رفاق ..... الدولة ما بهمها دين الشخص لكن بتتطر تاخد الحالة و العادات الأجتماعية ..... بس .
أما دفتر خدمة العلم ..... لا يوجد سبب منطقي لكتابة " الديانة " عليه ..... و شخصيا أتوقع أن يتم حذف الديانة من دفتر خدمة العلم خلال السنوات القادمة
طبعا ما عندي مصادر رسمية ..... بس هيك بتوقع .

أيضا من علائم الدولة العلمانية هو حظر الأحزاب الدينية أو الطائفية ...... و هون ما بدها شرح .... أمر بديهي .
و نحن في سوريا حسمنا هذا منذ عشرات السنين .... فلا أحزاب ذات طابع ديني في بلدنا ...... كلها علمانية .

أيضا أمر أخر .... وهو تدريس المعتقدات الدينية في المدارس .... يجب ألغاء هذه الظاهرة الرجعية .... فهذا يزيد من خطر التقسيم .. و ماذا ؟ منذ الصغر !!
يعني 12 سنة بالمدرسة بيطلع الطالب شبه مخدر !! ثم تتكفل القنوات التلفزيونية و مواقع الأنترنت بالباقي !
بدلا من المناهج الدينية يمكن تدريس ( عن الأديان ) و تخصيص أقسام كبيرة _ كل سنة دراسية _ عن خطر الطائفية و المذهبية ..
هيك بيطلعوا الطلاب و هم على دراية تامة بخطورة مرض التقسيم الديني و المذهبي .
يمكن للمتدينين أن ينتسبوا الى دور العبادة أو مدارس خاصة .... من أجل دراسة معتقداتهم التي يؤمنون بها ... على أن يكون ذلك بعد سن ال 20 .
يعني ممنوع تخدير الأطفال منذ الصغر ..... كل شي الا الأطفال !
اما المؤسسات التعليمية الحكومية فيجب أن تحافظ على علمانيتها .

هنا أرى أن التقدم العلماني في بلدنا ( مقبول نوعا ما ) _ طبعا أخذا بعين الأعتبار الحالة الفكرية لعامة الشعب _ ف ال 20 سنة الماضية شهدنا تراجعا لتأييد
العلمانية بين عامة الناس (( للأسف )) و السبب هو تأئرنا بالتفشي الطائفي في الدول المجاورة ... كما أن تفكك الأتحاد السوفييتي له أثر غير مباشر ....
لكن يمكن حل هذه المشكلة بالتوعية و التثقيف ....



  دون مختار البيطار المصدر: منتدى أنصار السنة

العولمة والإسلام

(العولمة والإسلام )
المقـدمــة
في هذه الورقة البحثية سيكون حديثنا عن الإسلام والعولمة، وذلك لعدة اعتبارات أهمها: (أن عالمنا شهد مجموعة من التحولات المفزعة دولياً والتي أتخذت مظاهر متعددة:(1)
• "انهيارية" وذلك من حيث انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية.
• "استقطابية أحادية" من حيث استقطاب الاتحاد السوفيتي إلى الحشد الدولي في الحملة الدولية على منطقة الخليج العربي، وكسر عزلة النهوض الذاتي للصين.
• "ابتلاعية" أي محاولة تنميط العالم اقتصادياً وسياسياً وإعلامياَ وثقافياً عبر إبتلاع الشركات المتعددة الجنسيات للمسافات الحضارية التاريخية والجغرافية للشعوب والدول القومية.
إذاً عالماً اليوم له سمات ثلاثة أساسية، انهيار الكتلة الشرقية، وأحادية القطبية، والهيمنة الرأسمالية على كافة مظاهر الحياة، وضمن هذه الظروف يكمن سؤال هام:
أين يقع الإسلام في ظل عالمنا اليوم؟!
ذلك الدين صاحب الرسالة الخالدة العالمية ما هي طبيعة علاقته بالعولمة؟ هل هي علاقة تصارعية؟ أم اندماجية؟
انطلاقاً من الفرضية السابقة ستكون خطة البحث كما يلي:
الباب الأول: موقع الإسلام في النظام العالمي الجديد.
الفصل الأول: ماهية العولمة والنظام العالمي الجديد.
الفصل الثاني: علاقة الإسلام بالعولمة.
الباب الثاني: تقييم عام.
الفصل الأول: مخاطر العولمة على الإسلام.
الفصل الثاني: الخيارات المطروحة أمام مسألة الإسلام والعولمة.
الباب الأول: موقع الإسلام في النظام العالمي الجديد:
الفصل الأول: ماهية العولمة والنظام العالمي الجديد
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية وتحديداً خلال حرب الخليج الثانية عام 1991 تحدث الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش "الأب" عن نظام عالمي جديد، هذا النظام في الحقيقة يقوم على هيمنة قطب واحد يحاول فرض سلطته على كافة الصعد الثقافية والسياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية. وللوقوف على حقيقة الموضوع لابد لنا في البداية أن نتعرف على مصطلح النظام العالمي الجديد أو ما عُبر عنه بالعولمة
في الحقيقة هناك العديد من المفاهيم لهذا المصطلح حتى أنك تجد في حال بحثك عن هذا الموضوع أنك في شبكة هائلة من المفاهيم على أن الكثير من المفكرون اعتبروا العولمة تراكماً تاريخياً وأمراً لم يكن مستحدثاً فهي صيغة طُرحت قديماً بعدة أشكال وطرق فيقول أحمد سلامة (2)(لقد بشر شوبنهاور ونيتشة بعولمة تقوم على أساس نقاء العرق واختطف تلك الفكرة النظرية هتلر الذي كان يسعى للعولمة بطريقته العرقية الخاصة ثم جاء ستالين بطريقة جديدة للعولمة عبر العولمة اللا إلهية، ثم تأتي العولمة اليوم بكونها: فكرة تجمع بين القوة والقدرة والرغبة والمناخ الملائم ليجعل اتباعها من أنفسهم نموذجاً يحتذى إما بالفرض القسري وإما بالتبشير المرغوب فيه فيصير العالم قرية كونية".
في حين يرى الدكتور سيار الجميل (3)"أن العولمة نظام عالمي جديد له أدواته ووسائله وعناصره وجاءت منجزاتها حصيلة تاريخية لعصر تنوعت فيه تلك التطورات التي ازدحم بها التاريخ الحديث للإنسان بدءً باستكشافه للعالم الجديد عند نهاية القرن الخامس عشر وصولاً لاستكشافه العولمة الجديدة عند نهايات القرن العشرين مروراً بأنظمة وظواهر وأنساق متنوعة كالإصلاحات الدينية والذهنية والسياسية والثورات الصناعية والرأسمالية والاشتراكية والمرور بأزمات وكوارث وصراعات وحروب أشعلتها الدول، هكذا تأتي فلسفة العولمة لتجسد حصيلة ما حفل به التاريخ الحديث للبشرية".
أما العولمة من وجهة نظر د. برهان غليون (4)فإنها تتجسد في نشوء شبكات اتصال عالمية تربط جميع الاقتصاديات والبلدان والمجتمعات ليخضعها لحركة واحدة، ويتمثل باندماج منظومات رئيسية:
1.المنظمة المالية عبر سوق واحدة رأس المال وبورصة عالمية واحدة.
2. المنظومة الإعلامية والاتصالية.
3. المنظومة المعلوماتية التي تجسدها بشكل واضح شبكة المعلومات فالمقصود هو الدخول في مرحلة من الاندماج العالمي العميق.
إذن هناك العديد من المفاهيم لظاهرة العولمة والتي لا يمكن أن نقترب من تعريف شامل لها إلا إذ وضعنا في الاعتبار ثلاث عمليات تكشف عن جوهر هذه الظاهرة، كما يرى د.ياسين(5):
1.انتشار المعلومات.
2.تذويب الحدود بين الدول.
3.زيادة معدل التشابه بين الجماعات والمؤسسات.
فالعولمة ظاهرة تعكس معالم النظام العالمي الحديث وهذه المعالم على النحو التالي:(6)
1.تخلي الاتحاد السوفيتي كطرف مؤثر في العالم وعن أصدقائه في حلف وارسو، الأمر الذي شجع على حدوث التغييرات السريعة في أوروبا الشرقية وبالتالي انهيار الكتلة الشرقية.
2.أدت التغييرات التي حدثت في أوروبا الشرقية إلى اختلال في ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة حيث أصبحت مرتكز للنظام العالمي الجديد الذي يخضع لنظام القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة.
3.نظام يقسم العالم إلى طرفين لا إلى ثلاثة: أغنياء وفقراء، الشمال للأغنياء والجنوب للفقراء.
4.جعل المنظمات الدولية والإقليمية هيئات موظفة لخدمة مركز الزعامة في النظام الدولي وهي الولايات المتحدة ومبررة لسياساتها وأهدافها.
5.بروز مفاهيم الديموقراطية، حقوق الإنسان، التعددية السياسية.
6.الاقتصاديات العملاقة ذات التكنولوجيا العالية، جعلت الاقتصاديات القطرية عاجزة عن التأثير في العلاقات الاقتصادية الدولية خاصة في ظل وجود الشركات متعددة الجنسيات.
وبما أننا تعرفنا في هذا الباب إلى مفهوم العولمة ومعالم النظام العالمي الجديد لابد لنا أن نوضح مفهوم الإسلام وذلك حتى تكتمل المصطلحات الأساسية التي يرتكز عليها البحث.
فإذا نظرنا للمفهوم التقليدي الشائع، فالإسلام هو الدين الذي أُنزل على سيدنا محمد عليه السلام، وهو خاتم الرسالات السماوية.
لكم ما يميّز الإسلام حقاً هو عالمية رسالته وكونيتها . والبحث قائم في الأساس على الفرق بين العالمية والعولمة، فالعالمية هي طموح الارتقاء بالخصوصي إلى مستوى عالمي وهذا ما كرّسه القرآن الكريم:((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين))، ((وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيرا))، لكن مع ملاحظة هامة ((لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي))، ((أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)).
بالإضافة لما سبق يجب أن نلاحظ أن عالمية الإسلام لم تجعله يرفض التباين بين الأمم فالإسلام يؤمن بأن لكل أمة خصوصيتها ((لكلٍ جعلنا شرعةً ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة))(7).
فمنذ فجر الإسلام كان الرسول الكريم محاطاً ببلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي. وكل هؤلاء ليسوا بعرب.
في حين أن إطار العولمة الحديث يقوم على إقصاء الطرف المقابل وعدم قبول ثقافته ومن هنا العالمية على عكس العولمة، تقبل بالتبادل بين الثقافات فهي تقبل بالآخر ولا تعمل على إقصائه، فخصائص عالمية الإسلام تنطلق مما يلي:
1.الخلود، وخلود الإسلام هو استمرار بقائه وامتداد رسالته، ودعوته ما دامت البشرية تواصل حياتها على سطح هذه الأرض. وسر الخلود يكمن في:
أ. السعة والشمول، والتي تظهر في العقيدة والقوانين والنظم والأفكار والمفاهيم الإيمانية والحضارية.
ب. الاجتهاد، أي استنباط الأحكام والقوانين والمفاهيم والأفكار من القرآن والسنة، فكل حادثة وأمر جديد محدث في المجتمع الإسلامي ولم يكن له حكم مجدي، فإن الشريعة أذنت باستنباط ذلك الحكم من القواعد والأسس والمفاهيم الكلية العامة.
2.اليسر والسهولة، فالتكليف بمستوى القدرة، فليس في الشريعة الإسلامية تكليفاً فوق طاقة الإنسان فكل العبادات في الصوم والصلاة والحج والزكاة والجهاد في سبيل الله كلها وضعت بمستوى طاقة الإنسان واستطاعته قال تعالى ((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)).
3.الإنسانية فالإسلام ينظر للناس جميعاً بأنهم من أصل واحد متساوون في الإنسانية ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى وبذلك قال تعالى ((يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) وفي الحديث الصحيح عن الرسول الكريم "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".
4. العقلانية فرسالة الإسلام تقوم على أساس قناعة العقل والتوافق مع منطقه وإقناعه بالحجة والدليل والبرهان وبذلك قال تعالى((وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمين)).
5.الاعتدال بين الدنيا والآخرة تأمر الشريعة بالاعتدال في كل شيء حتى في العبادة وقال تعالى ((وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا واحسن كما احسن الله إليك)).
ومن كل ما سبق يمكننا القول أن العولمة ظاهرة متعددة الأبعاد والزوايا "سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية"و أنها ظاهرة ولدت في نهاية القرن العشرين وهذا يعني أنها مرت في مراحل متعددة حتى أصبحت ظاهرة قابلة للوجود وبالتالي كان وجودها في نهاية القرن الماضي وفي نهاية هذا الباب من الفصل الأول يجب أن أنوه بأن هناك عولمة وعالمية وكلاهما مفهومان مختلفان كما يقول د.محمد عابد الجابري" هناك عولمة Globalization وهي تعني إرادة الهيمنة أي قمع وإقصاء للخصوص والذاتي وهناك عالمية
Universalism وهي طموح للارتقاء والارتفاع بالخصوصي إلى مستوى عالمي.فالعولمة احتواء للعالم أما العالمية تفتح على كل ما هو كوني وعالمي(8)وبغض النظر عن وجهة نظري الشخصية إزاء العولمة فإنني اتفق مع داني روديك أستاذ الاقتصاد السياسي في هارفارد حيث يقول (يجب أن لا نفزع من العولمة كما يجب أن لا نأخذها بخفة، فالعولمة تفتح أفاقاً واسعة وتتيح فرصاً أولئك الذين لديهم المهارة والقدرة والمؤهلات التي تمكنهم من الحركة والازدهار في الأسواق العالمية).
ومن هذا المنطلق ومن منطلقات أخرى أهمها أن لكل شيء جانبان إحداهما سلبي والآخر إيجابي اخترت أن أتحدث عن الإسلام والعولمة.
الفصل الثاني: علاقة الإسلام بالعولمة
في الفصل السابق تحدثت عن مفهوم العولمة وعن طبيعة العالم الحالي وما يسمى بالنظام العالمي الجديد، وفي هذا الفصل سأتحدث عن موقع الإسلام في ظل هذا النظام وفي ظل ما أطلق عليه بالعولمة.
يقترن الإسلام بالإرهاب والأصولية فالحركات الإسلامية أُلصقت بها هذه تهمة الإرهاب والعنف والتطرف والسؤال هو لماذا؟
إن النظر لواقع الإسلام اليوم يتنازعه رأيان(9):
1. يقول غير المسلمين أن هناك مشكلة ما تتسبب في إضطراب علاقات الإسلام مع الأديان الأخرى وأن هذه المشكلة تعبر عن نفسها في سلسلة من الصراعات.
2. هو أن المسلمين يقولون أن الإسلام مستهدف وأن ثمة حرباً معلنة ضده وأن الإسلام في دفاعه عن عقيدته وفي صموده أمام سلسلة من الهجمات التي يتعرض لها يجد نفسه في حالة صراع دائم.
فالمسلمين يرون أن المشكلة هي في نظرة الآخرين للإسلام، وغير المسلمين يعتقدون بوجود المشكلة في الإسلام.
وعلى أي حال بدأ الحديث عن الإسلام بإعتباره ضمن دائرة صراع الحضارات وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فبعدما انتهى العدو الأول للغرب الرأسمالي ما لبث أن وجد عدو جديداً ألا وهو الإسلام وهذا يظهر في العديد من الكتابات بل وحتى في الخطابات الرسمية وغير الرسمية ويقول هنري كيسنجر في خطاب ألقاه أمام المؤتمر السنوي لغرفة التجارة الدولية (بأن الجبهة الجديدة التي على الغرب مواجهتاها هي العالم العربي الإسلامي باعتبار هذا العالم هو العدو الجديد للغرب) وهذا ما أكده الأمين العام للناتو "حلف شمال الأطلسي" ويلي كلايس willy Claes الذي وصف الأصولية الإسلامية في خطاب رسمي له بأنها أعظم خطر راهن يواجه الحلف(10).
من خلال التصريحين السابقين يتضح لنا أن الإسلام مستهدف خاصة أن بعض الجماعات والحركات التي تدعي الإسلام تتيح للغرب استهداف الإسلام. وعلى أي حال يجب أن نلاحظ أن العالم الإسلامي يعاني العديد من المشاكل والتي لابد أن تتفاقم في ظل العولمة إذا لم يوجد حل لهذه المشاكل.
حتى أننا نجد أن الأدبيات الغربية تجعل من الإسلام عدواً لها خاصة في ظل رأي هنتغتون في "صراع الحضارات" حيث يقول (بأن النظام العالمي السابق كان يقوم على صراع بين ثلاث قوى رئيسية: الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد السوفيتي والعالم الثالث، أما النظام العالمي الجديد نظام ما بعد الحرب الباردة فيقوم على الصراع بين ثماني حضارات(11)
"الغربية واليابانية والكنوفشسية والهندوسية والأمريكية اللاتينية والأرثذوكسية والحضارة الإسلامية والحضارة الإفريقية". وهو يرى أن حروب المستقبل سوف تجد جبهات لها في نقاط التماس بين الحضارات وخاصة مع الإسلام وكل واحدة من هذه الحضارات على حدى وهذه النقاط كما يراها: (المواجهة بين الإسلام والغرب من خلال الصراع بين البوسنة وكل من كرواتيا وسلوفينيا. المواجهة بين الإسلام والأرثذوكسية من خلال الصراع بين البوسنة وصربيا وتركيا واليونان وبلغاريا.المواجهة بين الإسلام والهندوسية من خلال الصراع الهندي الباكستاني). بمعنى أن الغرب وضع الإسلام في موضع العدو والمواجهة وفي الحقيقة ازداد عجبي بعدما قرأت كتاب (أحجار على رقعة الشطرنج) حيث يقول مؤلفه أن الاتحاد السوفيتي سينهار وبعدها ستبحث الرأسمالية عن عدو لها وسيكون هو الإسلام، والذي سيعمل على محاربته هو الصهيونية، عبر دولتها إسرائيل.
والغريب أن هذا الكتاب تم تأليفه عام 1950، وهذا يعني أنه جاء بعد قيام إسرائيل بعامين فقط، وأنه جاء ليتحدث عن سقوط الاتحاد السوفيتي قبل حوالي أربعين عاماً، ولنتذكر أن الاتحاد السوفيتي عام 1950 كان قلعة عسكرية وعلمية دخل في حرب النجوم مع الولايات المتحدة الأمريكية وتفوق عليها في مرحلة من المراحل، فكيف استطاع الكاتب في ظل هذه المعطيات أن يتوقع كل ذلك؟!.
اعتقد فعلاً أن الإسلام حقاً في مواجهة الغرب، والعولمة هي الصيغة المطروحة حالياً.
وعلى أي حال، إن الإسلام كدين جاء يحمل طابعاً عالمياً على خلاف اليهودية التي جاءت مقتصرة على بني إسرائيل، جاء الإسلام كرسالة لبني البشر أجمعين قال تعالى ((وما أرسلناك إلا نذيراً وبشيراً للعالمين)).
فالإسلام في كثير من تعاليمه وفي الكثير من تطبيقاته وفي الكثير من ممارسات الرسول الكريم دلالة على الطابع العالمي: ((لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى)).
هذا يعني أن الإسلام له طابع عالمي وليس مُعَولماً بمعنى أنه Universalim وليس Globalization حيث أن الإسلام وجهت له ضربات تتخذ شكلاً عالمياً معولماً:
1.وذلك بضرب قوات التحالف الدولي للعراق على إثر ما درج على تسميته الآن بالحالة العراقية الكويتية.
2.محاولة طبع المنطقة العربية "الإسلامية" بالطابع الشرق أوسطي.
فخطوات عولمة العالم العربي بدت متسارعة جداً وذات هدف لا يستهان به هو عولمة المنطقة العربية لابعادها وسلخها عن أي محاولة لأسلمتها. فبعد أن خرج العرب منهكين من أثار التحالف الدولي المعولم على العراق طُلب منهم للسلام في مدريد.
ومما سبق نخلص إلى أن الإسلام شيء والعولمة شيء آخر وفي هذا رد على من يدعي ترابطهما، لكن هذا لا ينفي أبداً كون الإسلام دين عالمياً لكنه يبقى في الحقيقة موقع وهدف للمواجهة في ظل النظام العالمي الجديد.
فبعد نهاية الحرب الباردة أصبح هناك العديد من التنظيرات حول شكل العالم الجديد وبزت جملة من السيناريوهات والتوقعات تطرح أشكالاً متعددة مثل، فكرة صعود قطب آخر غير الولايات المتحدة، وتحول النظام إلى ثنائي القطبية، وأحياناً يتطرق الحديث إلى استحكام قطب واحد تمثله الولايات المتحدة، بينما هناك تصور ثالث يشير إلى التعددية القطبية بحيث تشارك فيه أطراف أخرى مثل أوروبا الموحدة والهند والصين. (ومن العجيب أن هذه الاحتمالات التي تشير إلى قوى صاعدة لا تتضمن وجود أي دولة إسلامية كدولة رائدة فإذا كان هناك وفق التصور الذي يؤكد تحكم قطب واحد مهيمن على العالم، فهل يصبح كل العالم بذلك "دار حرب"؟).
ومن جهة أخرى، للعولمة العديد من التجليات السياسية والتي تتركز في رفع شعارات الديموقراطية والتعددية الفكرية واحترام حقوق الإنسان.
هنا الإسلام لا يتعارض مع حقوق الإنسان، وفي الكثير من نصوصه ما يؤكد ذلك ((يا أيها الناس إنا جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)). إلا أن الإسلام لا يمكن أن ينسجم مع مصطلح الديموقراطية بالمفهوم الغربي، وهذا لا يعني أن الإسلام ديكتاتوري لكن الإسلام له خصوصيته فلا يمكن تأطيره وقولبته بالقلب وإطار معين وإلا كان هذا تقزيماً له.
فالإسلام شيء والديموقراطية شيء آخر لأن الأخيرة تقوم على العلمانية والحرية التي لا سقف لها.
أما الإسلام يؤمن بالحرية المنسجمة مع حدود الشرع، ولا علمانية في الإسلام فالسلطة الدينية هي الأساس وحتى أن السلطة السياسية تُعد مكسباً من مكاسب السلطة الدينية، لذلك الإسلام شيء والعولمة شيء آخر. وإن كان الإسلام في بعض جوانبه يلتقي مع العولمة مثلاً في حقوق الإنسان، إلا أن هذا الالتقاء لا يعبر عنه بالعولمة وإنما بالعالمية.
الباب الثاني: تقييم عام
الفصل الأول: مخاطر العولمة على الإسلام
لقد ذكرنا سابقاً أن الإسلام يحمل صورة تم تشويهها اليوم في العالم الغربي حيث أن صورة الإسلام في الغرب تمثل صورة الإرهاب والتطرف والكثير من العنف إزاء هذه الصورة المشوهه يعاني الإسلام والشعوب الإسلامية العديد من المشكلات والتي بدورها تجعل موقف هذه الشعوب ضعيفاً في مواجهة العولمة خاصة إذا ما علمنا أن أبرز مواقع الجوع الكبرى تقع في العالم الإسلامي، فمن أصل 200 مليون شخص جائع في العالم هناك 173 مليون منهم من المسلمين موزعين على النحو التالي:(12)
70مليون جائع في الهند.
12 مليون جائع في الصين.
50 مليون في آسيا الجنوبية.
26 مليون جائع في أفريقيا السوداء.
15مليون جائع في الشرق الأوسط و الشمال الإفريقي.
ومن جهة أخرى العالم الإسلامي يعاني من ضعف الإنتاج(13)فمثلاً مدينة واحدة في ألمانيا دوسلدروف يقدر ناتجها المحلي 1.8 مليار دولار ويقدر عدد سكانها ب 2 مليون نسمة، وهذا الناتج المحلي يعادل تماماً الناتج القومي لأكبر دولة إسلامية سكانياً وهي أندونيسيا التي تضم أكثر من 200 مليون نسمة. هذا يعني أن العالم الإسلامي يعاني من العديد من المشاكل ولنتذكر أن خلاصة الفصل السابق من البحث أن الإسلام والعولمة كلاهما في مواجهة والسؤال هنا:
هل يستطيع الإسلام والدولة الإسلامية مواجهة العولمة؟ وكيف ستتعامل هذه الدول مع الإسلام ومع العولمة في وقت واحد؟
وعلى أي حال يتضح لنا في هذا البحث أن الإسلام كحضارة جاء في مواجهة الحضارة الغربية والتي تتمثل بالعولمة نجد أن الإسلام يتعرض للكثير من التحديات والمصاعب فالعولمة كظاهرة حضارية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية(14)تواجه الإسلام كحضارة وكأفراد إذ أن هناك محاولات الغزو الثقافي عبر استغلال الجامعات والمعاهد فمثلاً الجامعة الأمريكية في القاهرة طرحت الاستبيان التالي على أحد الطلبة الراغبين في الدراسة للحصول على درجة الماجستير:
-ما رأيك في إذاعة أذان الصلاة في الإذاعة والتلفزيون؟
-هل توافق على إذاعة بعض الأحاديث النبوية عقب الآذان؟
-ماذا نسمي المقاتلين في الشيشان؟ هل هم مناضلون أم إرهابيون؟
في الحقيقة إني أرى أن مثل هذه الأسئلة تحاول أن تضلل الفرد المسلم وتجعله يقع في دائرة الشك ويبتعد عن الإسلام ديناً وحضارة ليقترب أكثر نحو العولمة والحضارة الغربية.
وتبرز خطورة الغزو الثقافي للحضارة الإسلامية في أن أبناء هذه الحضارة لا يقرؤون إذا ما قارنهم بأبناء الحضارة الغربية، كما أن أبناء الحضارة الإسلامية يتلقون الأبناء والمعارف ولا يصدرونها للعالم بعكس أبناء الحضارة الإسلامية في العصور السابقة الذين تتلمذ الغرب على أيديهم أما اليوم فنحن ننتظر أن يأتي الخبر وتأتي المعلومة إلينا ولا نقوم بصنعها.
وبهذا يقول الدكتور السيد يسين "إن الخصوصية الثقافية للمسلمين والعرب مهددة على اعتبارات المشكلة التي يثيرها الباحثين في العالم الثالث والذي يعد العالم الإسلامي من ضمنه هي أن تدفق الرسائل الإعلامية والثقافية يأتي من المراكز الرأسمالية الإعلامية بكل قوتها وقدراتها التكنولوجية ويصب في دول الأطراف كمجتمعات والتي تصبح في الواقع مجرد مستقبله لهذه الرسائل الإعلامية بكل ما فيها من قيم وهي في الغالب قيم سلبية مدمرة".
وإذا نظرنا لسلبيات العولمة اقتصادياً فإننا نجد أن إحدى آليات العولمة وهي التكنولوجيا قد أدت إلى البطالة وبالتالي أصبح عندنا حوالي مليار عاطل عن العمل في العالم منهم 15% من الدول العربية الإسلامية.
وفي الحقيقة إن مخاطر العولمة ستزداد في ظل المجتمعات التي تعاني من الأمية والجهل فنسبة الأمية نسبة لا يستهان بها في العالم الإسلامي ففي موريتانيا حوالي 62% والسودان 53% وهذا يعني أن هذه المجتمعات غير مؤهلة لمواجهة النظام العالمي الجديد "العولمة".
وإذا نظرنا للعولمة كظاهرة حضارية تسيطر عليها حالياً الولايات المتحدة: "على اعتبار بروز أقطاب أخرى لتقوم بتمثيل العولمة لاحقاً" فإن الأوضاع حالياً تشير إلى كون العولمة هي الأمركة ومن مخاطر ذك على العالم الإسلامي هو سياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى بحجة الاضطهاد الديني قررت الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة العظمى الوحيدة حالياً أن تقوم بدور الزعيم الأخلاقي الكوني وقد دار جدل واسع حول إنشاء مكتب في البيت الأبيض لمراقبة الاضطهاد الديني تحت اسم قانون "التحرر من الاضطهاد الديني" لعام 1997 والذي يقوم بمراقبة معاملة الأقليات الدينية في بلدان معينة منها السودان(15).
ولا يعد بعيداً عن الموضع إصدار أمريكا لقائمة الدول الداعمة للإرهاب والتي على رأسها سوريا، السودان، ليبيا، وغيرها من الدول العربية الإسلامية. وغير بعيد عن ذلك أيضاً ما أصدره مجلس العموم البريطاني في شهر آذار 2001 من قانون ملاحقة المنظمات والحركات الإسلامية التي وسمها بالإرهاب والأصولية.
ويجب أن نلاحظ أن الدول الإسلامية تواجه العديد من التحديات أمام العولمة لكونها دولاً وليس لكونها تمثل حضارة الإسلام، وخاصة أن هذه التحديات تواجه منظومة دول العالم الثالث التي تقع ضمنها، إضافة إلى تحديات أخرى أهمها(16):
1.تحويل الاستثمار إلى مناطق العمالة الرخيصة، وهذا ما يؤدي إلى إغلاق المصانع المحلية وانتشار البطالة.
2.سيطرة الشركات المتعددة الجنسيات على مقدرات هذه الدول.
3.مساهمة تكنولوجيا المعلومات في ازدياد الهوة بين العالم الصناعي المتقدم والنامي الفقير إلى درجة التصدع الكامل لبنية المجتمع الإنساني.
4.تخوف الدول النامية والأمم ذات الحضارات العريقة من ضياع هويتها الحضارية والثقافية وسيطرة نسق قيمي واحد من الحضارة الغربية بكل ما فيها من مثالب وإيجابيات.
ويزاد أثر هذه التحديات على الفرد المسلم بصورة عامة والعربي بصورة خاصة وذلك لأنه يعيش في ظل دول قطرية جعلت الانتماء إلى الوطن يحل محل الانتماء للأمة، ويستوعب في الوقت نفسه الانتماء العصبوي، فأدى ذلك إلى خلق ما يعرف بإنسان (مأزوم الهوية)(17).
فازداد "تشرنق" الفرد داخل عصبيته أو مذهبيته، مما أدى إلى عدم قدرته على الاندماج في مؤسسات الدولة، كما ازداد ضعف مشاعر الانتماء للأمة وذلك بسبب انقطاع التواصل العضوي الحر بين أجزاء الأمة مع وجود ثقافة قطرية تحاول "قومنة" الدولة وترسيخها.
لقد نجحت الدولة القُطرية منذ نشأتها وحتى الآن أن تثبت نفسها في مواجهة فكرة الدولة القومية ولكنها ضلت عالة على إرث الأمة ولم تستطع أن تؤسس هوية خاصة بها تجعل الفرد يحس بأنها تعبر عن خصوصية جماعته فظل يشعر بأن محددات هويته الثقافية والحضارية تتجاوز حدود هذه الدولة بينما انتماؤه الاجتماعي يقصر عن تلك الحدود وبالتالي وجد الفرد المسلم والعربي نفسه إنساناً مأزوماً في هويته وليس ذلك فقط بل يواجه عصر العولمة.
وفي النهاية أقول أن الحضارة الإسلامية تقبل بالحوار والجدل المنطقي ففيها من المرونة ما يجعلها قابلة للانفتاح على ثقافات العالم خاصة إذا كان التحاور يقوم على حرية التواصل والاحترام بين الثقافات العالمية، وأخطر ما يواجه القائمين على استنهاض الثقافة العربية الشعور بالدنيوية والاستسلام التبعي لمنتج الثقافة الغيرية والرضى بأن نكون مستهلكين لا منتجين وفاعلين في صناعة ثقافتنا ولو لم يكن للعولمة من أثر على الثقافة العربية الإسلامية إلا تحريك وايقاظ الوعي الإسلامي فهذا يعد أمر هام.
وفي نهاية هذا الباب يجب أن أذكر وللأمانة العلمية أن هناك من يفرق بين نظرة الأوروبيين ونظرة الأمريكيين له ومنهم عبد الإله بلقزيز(18)(الأوروبيون يهتموا كثيراً ببناء نظرة ثقافية وموقف أيديولوجي من الإسلام تحت وطأة الشعور بالمغايرة الثقافية وبمركزية المرجعية الحضارية الغربية فعداء مثقفيهم وسياسيّهم للإسلام يتغذى من هذه الخلفية الثقافية والشعور بالأنا الحضاري والتفوق الثقافي، بل أن هذا العداء ليس بمستغرب من ثقافات أنتجتها ثورات عقلية مريرة ضد الكنيسة. أما الأمريكيون وبسبب غياب خلفية حضارية لمجتمعه الحديث التكوين والمتعدد الأصول والمشارب الثقافية فلا يهمهم من الإسلام إلا مقدار العائدات التي يمكن أن يحصلوها منه فلا يهتموا بموقف عقائدي منه لأنهم برغماتيون، فهم مثلاً يتصالحون مع إسلام يعقد الولاية الكونية لواشنطن، أو مع الإسلام الطيّع الذي يقم خدمات استراتيجية إقليمية، لكنهن يشحذون أسلحتهم ويستنفذون قواتهم حين يصبح إسلاماً تحرري المنزع، أو إسلاماً جهادياً كما في فلسطين وجنوب لبنان لأنه يخالف منطق مصلحتهم وبالجملة لا يخيف الولايات المتحدة من الإسلام إلا أن يسيطر على النفط وهنا يصبح الإسلام عدواً استراتيجياً للولايات المتحدة.
الفصل الثاني: الخيارات المطروحة أمام مسألة الإسلام والعولمة
في الفصل الأخير من هذا البحث لابد أن أوضح أن العولمة كظاهرة تمثل حضارة الغرب في وجه الإسلام، وتخشى الاتجاهات القومية بشقيها العربي والأوربي من العولمة باعتبارها ظاهرة تمثل محاولات الهيمنة الأمريكية، وعلى أي حال فإن معظم المراجع تميل إلى طرح خيارات متعددة لمواجهة العولمة ومنها:
1.الاندماج: بمعنى التعايش بين العولمة وأي حضارة أو ظاهرة مقابلة لها، لذا فإن الطرف المقابل يجب أن يكون مؤهلاً لهذا الاندماج وإلا فإنه سيذوب ويتلاشى أمامها.
2.المواجهة: بمعنى التحدي والصمود أمام هذه الظاهرة ومحاولة الحفاظ على الذات.
3.التهميش: بمعنى أن الطرف المقابل لن يكون له أي قيمة أمام هذه الظاهرة.
وإنني أرى أن التهميش سيحصل في حالتين، الأولى إذا تم اندماج الإسلام في ظل النظام العالمي الجديد دون أن يكون هناك تحسين لظروف وأوضاع المسلمين والبلاد الإسلامية. أما الثانية هي إذا دخلنا في مواجهة مع النظام العالمي الجديد دون استعداد حقيقي وتحضير لهذه المجابهة. وهذا يعني أيضاً تهميشنا وعلى أي حال فإنني أعتقد أن التهميش ليس خياراً وإنما هو نتيجة لخيارين، وهما الاندماج أو المواجهة لكن دون استعداد و تحضير ومحافظة على الهوية الذاتية.
هناك عدة خيارات طرحها كامل أبو صقر(19):
1.أن لا نعمل شيئاً أكثر مما نعمل ولا أقل مما نعمل، وهو خيار على الأقل يحقق لنا الوجود (ونحن موجودون كثيرو الشكوى لم نسترد حقوقنا المسلوبة، كرماء، مستهلكون، لا نضيف ولا نجدد ونتغنى بالماضي، وننتظر المجهول، نطيع أكثر من في الأرض قوة و نقلدهم). هذا الخيار سلبي.
2.أن ننسحب من التاريخ والسوق الكونية والعولمة لأننا أفلسنا عقلياً وأصبح وجودنا مكلفاً ومقدار ما نأخذه أكثر مما نعطيه، وتوقفنا عن دفع فاتورة استحقاقاتنا العلمية، وتركنا كتاب الله وهجرناه فكان أكثرنا عُمياً.
3.الابقاء على ما هو كائن وهو يشبه الخيار الأول ولكنه يختلف عنه من حيث أنه يتضمن تغييراً في الأساليب والطرق ومن هنا يجب علينا أن نبحث عن ذاتنا ولا نسعى للتقليد، فلنعد إلى خصوصيتنا ومنهجنا القرآني الذي سيهدينا للطريق الصحيح.
وإذا أردنا دراسة الخيارات المطروحة فيجب أن نقول أن أنصار المواجهة والتحدي يرفضون المعايير العالمية لحقوق الإنسان، فمثلاً بحجة الخصوصية الثقافية يرفض البعض كل ما هو جديد، وبالتالي يقوم أنصار هذا الخيار برفض الديموقراطية الغربية على أساس أن لدينا نظاماً للشورى, والأهم من ذلك كله أن الحديث يتم حول الهوية العربية وكأن هناك اتفاق على محتواها فالحقيقة أن هناك صراع ثقافي دائر ومحتوم بين جماعات سياسية وثقافية عربية، إذ أن هناك صراع بين القوميين والإسلاميين يدور حول سؤال: هل نحن عرب أولاً أم نحن مسلمون أساساً؟
وهذا الصراع الخطير أدى إلى نشوء الفكر المتطرف لدى جماعات متعددة في المجتمع الإسلامي، وأخطر من ذلك بزغت حركات إرهابية تحاول تحقيق الهدف الإستراتيجي وهو إقامة الدولة الإسلامية.
ويرى محي الدين اللاذقاني أننا في العالم العربي والإسلامي أسرفنا في الهجوم على العولمة قبل أن تصل وحفرنا كافة "المتاريس" اللازمة للدفاع عن الهوية العربية دون أن نسأل أنفسنا إن كانت تلك الهوية موجودة أو نتأكد في حال وجودها من أن العولمة قادمة لمحوها مع غيرها من الهويات المحلية في دول الأطراف لصالح مركز لا يقبل إلا أن يكون كل شيء في العالم على شاكلته.
ومن هنا يمكن القول أن الحضارة الإسلامية عليها أن تواجه العولمة لأنه إذا كان الخيار هو الاندماج والتعايش معها فهذا يعني في ظل الظروف الراهنة أن هذه الحضارة ستذوب في ظل العولمة. وإذا ما اخترنا هذا الخيار "خيار الاندماج" فيجب أن نكون مؤهلين لذلك لنتمكن من الصمود ولا ندخل في إطار التهميش بمعنى حتى لا تكون أثار العولمة مميتة لنا يجب الاستفادة من كل الامكانات التي توفرها العولمة للنهوض وليس للخضوع
دون مختار البيطار نقلا عن منتدى الشريعة والحياة